محمد داوود قيصري رومي
512
شرح فصوص الحكم
موجود ، وهو في الحقيقة معدوم ، فلا تشبيه بينهما . وإن كنت قائلا بالحقيقة الواحدة التي يظهر في مقام جمعه بالإلهية وفي مقام تفصيله بالمألوهية ، فإياك أن تنزه فقط ، بل لك أن تنزه في مقام التنزيه ، وتشبه في مقام التشبيه . ( فما أنت هو ، بل أنت هو وتراه في * عين الأمور مسرحا ومقيدا ) أي ، فلست أنت هو ، لتقيدك الظاهرة وإمكانك واحتياجك إليه ، باعتبار أنك غيره ، وأنت هو ، لأنك في الحقيقة عينه وهويته الظاهرة بصفة من صفاته في مرتبة من مراتب وجوده . فترجع ذاتك وصفاتك كلها إليه . قوله : ( وتراه في عين الأمور ) أي ، وترى الحق في عين الأشياء مسرحا ومقيدا ، على اسم المفعول ، أي ، تراه مطلقا بحسب ذاته ، ومقيدا بحسب ظهوره في صفة من صفاته . وعلى اسم الفاعل ، أي ، تراه مبقيا للوجود على إطلاقه في عين المقيدات ومقيدا له في مراتب ظهوراته . والثاني أنسب لتناسب الأبيات الأول . وعلى التقديرين هما منصوبان على الحال . ( قال تعالى : ( ليس كمثله شئ ) فنزه ، ( وهو السميع البصير ) فشبه . قال تعالى : ( ليس كمثله شئ ) فشبه وثنى ، ( وهو السميع البصير ) فنزه وأفرد ) . اعلم ، أن ( الكاف ) تارة تؤخذ زائدة ، وأخرى غير زائدة . فعلى الأول معناه التنزيه ، لأنه نفى أن يماثله شئ بوجه من الوجوه ، وقوله : ( وهو السميع البصير ) تشبيه ، لأنهما يطلقان عليه تعالى وعلى غيره من العباد . وعلى الثاني معناه : ليس مثل مثله شئ . فشبه بالمثل في نفى المثل عن المثل ، وثنى أيضا بإثبات المثل ، ونزه بقوله : ( وهو السميع البصير ) . فإن السمع والبصر في الحقيقة لله لا لغيره . وفي علم الفصاحة والبلاغة مبين أن الضمير إذا قدم وخبره معرف باللام ، يفيد الحصر . كقولك : فلان هو الرجل . أي ، الرجولية منحصرة فيه وليست لغيره . كذلك هاهنا . أي ، هو السميع البصير لا غيره . فيفيد حصرهما فيه ، وهو الإفراد والتنزيه عن النقصان ، وهو عدم السمع والبصر . وإنما جعل السمع والبصر في الأول تشبيها وفي الثاني تنزيها ، ليجمع بين التنزيه والتشبيه ، وهو مقام الكمال . ولما